29 May 16

القيادة السيئة

كتب بواسطة:

د. بدر الزيد الطريجي
29 May 2016

عدد القراءات:

(244)

لعل من أكثر المواضيع شيوعاً في وقتنا الحالي وأكثرها تأثيراً على حياتنا اليومية هو موضوع القيادة، والقيادة سرّها عجيب وأمرها غريب، فهي أوّل الحاضرين غياباً وأول الغائبين حضورا، كلّنا يزعم أنه يعلم ما هي، ومع ذلك لا نكاد نلتقي على شيء فيها، فهي قريبةٌ سهلة، وبعيدةٌ صعبة، وقد انصبت الدراسات والكتب والمجلات والمقالات والبحوث على نشر كل ما يتعلق بالقيادة، ومواصفات القائد الناجح، وأمثلة القادة الناجحين، وقصص النجاح لقادة غيروا العالم، والأسباب المؤدية للنجاح، والوصفات الخاصة بالنجاح في القيادة، والدراسات التحليلية والكتب المعمقة حول كل هذه المواضيع من قبل دكاترة جامعات كثيرة ومرموقة طافوا العالم وحضروا المؤتمرات وعملوا المحاضرات عرضاً وشرحاً وتحليلاً.

وكل ما سبق ذكره كان منصبّاً على القيادة الجيدة، القيادة النبيلة والقيادة التي نحب الحديث عنها، وفي مخيلتنا تلك الصورة الفاتنة عن ذلك القائد الفذ والبطل الهمام الذي يقوم بأعمال أسطورية تقودنا إلى النجاحات المدوية، والتي تجعلنا نلهج بذكره وشكره، ونحاول بشتى الطرق أن نقلّده ونحاذيه في سبيل الوصول إلى ما وصل إليه.

ولكن…

حديثنا اليوم – ويا للغرابة – عن القيادة السيئة، نعم… القيادة السيئة!

قد يتساءل بعضكم ويقول هل هناك قيادة سيئة فعلا؟ أوليست القيادة السيئة هي عكس ما تنادي به وتدعو إليه؟ بل ألم تقل – يا بدر – في محاضراتك وورشك ومقابلاتك التلفزيونية أنه لا يمكن أن يكون هناك قائد سيئ؟

أقول: نعم! قلت كل هذا وزيادة، وحديثي اليوم عن القيادة لا عن القائد! والقصد في حديثنا اليوم هو استخلاص العبر والفوائد.

ومن واقع تخصصي المهني الأساسي كطبيب أقول تخيلوا معي للحظة لو أن كليات الطب البشري في العالم علّمت ودرّبت طلابها على كل ما يتعلق بالصحة الجيدة والجسم الصحيح وأغفلت دراسة الأمراض وآثارها وسبل علاجها والجسم السقيم، ماذا سيكون حالنا اليوم؟ لذلك من الضروري أن نتحدث عن المرض كما نتحدث عن الصحة، ونتعلم عن القيادة السيئة كما نتعلم عن القيادة الجيدة، ولنا في هذا الأمر أسوةٌ حسنة، يقول حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كان الناس يسألون رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني.

والقيادة السيئة بشكل عام هي إحدى قيادتين: إما قيادة غير فاعلة، أو قيادة غير أخلاقية، وأحياناً النوعين معاً، وأقصد بالقيادة غير الفاعلة هي القيادة التي لم تحدث التغيير المطلوب إمّا لضعف الشخصية، أو ضعف المهارات القيادية، أو اختيار الاستراتيجية الخطأ أو التكتيك غير الملائم، وأخيراً قد تكون نتيجة الظروف المحيطة غير المواتية.

أمّا القيادة غير الأخلاقية فهي تدور حول الصح والخطأ، والحلال والحرام، والقيادة غير الأخلاقية قد تكون قيادة فاعلة بالمناسبة، بقدر ما قد تكون القيادة غير الفاعلة أخلاقية، والحكم هنا على نزاهة مثل هذه القيادة لا على فاعليتها.

والقيادة غير الفاعلة تشكل نصف مجموع القيادات تقريباً، أي واحد من اثنين، أكرر واحد من اثنين، ولكن عندما نحاول أن نعمل تقييماً ميدانياً لهؤلاء القيادات نجد النسبة ترتفع إلى الثلثين، أي اثنين من ثلاثة من القيادات هي قيادات غير فاعلة، والسبب في هذا للأسف هو أن الكثير من هذه القيادات تجيد وباحتراف فن النفاق الاجتماعي، مما يتيح لها فرصة الاختفاء من شاشة الرادار فلا يمكن التعرف عليها بسهولة ومن ثم تقييمها.

والقيادة السيئة لها مواصفات ومعالم وأنواع، سأسرد شيئاً منها، وأدعوكم عند سماع كل واحدة منها أدعوكم لأن تغمضوا أعينكم وتحاولوا أن تتذكروا ما إذا مر عليكم أحدٌ تنطبق عليه أيا من هذه المواصفات، أولها القيادة غير الكفؤة، وفيها يفتقد القائد وبعض الأتباع الإرادة والمهارات اللازمة للعمل بطريقة فاعلة ومؤثرة لفترة طويلة، ثانيها القيادة المتصلبة أو البيروقراطية، وهنا القائد وبعض الأتباع ينعمون تحت ظل الروتين مجنبين أنفسهم المساءلة والمسؤولية – أو هكذا يظنون – بالركون إلى أنظمة وإجراءات بالية معتقدين خطئاً أنها تعصمهم من الزلل، ومن أنواع القيادات السيئة القيادة اللا مبالية وهي القيادة التي لا يعنيها لا من قريب أو بعيد احتياجات أو تطلعات وآمال الأتباع، فهي موجودة لسبب ما ومحمية لسبب آخر، وهناك القيادة الفاسدة، وفيها تحترف القيادة وبعض الأتباع الكذب والغش والخداع والرشوة مقدمين حظوظ أنفسهم على من عداهم، وأخيراً – وهي الأسوأ – القيادة الشريرة، وفيها ترتكب القيادة مع بعض الأتباع أعمالا وحشية وبشعة مستخدمة الألم المادي والمعنوي وسيلةً للتمكن من السلطة.

والسؤال هنا ما الأعذار في اتباع القيادة السيئة؟

العذر الأساسي والأهم أن القيادة والقائد يحققان احتياجات الإنسان الرئيسة من أمن واستقرار وبساطة في فهم الأمور ومعالجتها، وعنصر الأمن هنا هو العنصر الأقوى من بين احتياجات الإنسان الأساسية، والأمن في عصرنا الحاضر قد يكون أمن الدولة واستقراها وأمانها أو أمن الوظيفة أو المرتب في القطاع الخاص.

فما السبيل إذن لمنع القيادة السيئة من التمكن أو الحد منها على الأقل؟

أقول إن المسؤولية تقع أولاً على الأتباع، إذ لا توجد قيادة سيئة من غير أتباع سيئين، فهم من مكنوا القيادة في المقام الأول، وعليهم أن يعوا أن بأيديهم الحد من جنوحها، فلا بد لهم من أن يوالوا القضية أو المجموعة لا القائد، فهم إذا قدموا القائد على الفريق، فالفريق مقدم على كارثة محتومة، ويجب وضع القائد في مقامه الصحيح، فهو فرد يؤثر في مجموعة فالنظرة إليه هي بمنظار الفريق فمتى ما أراد أن ينفرد عن الفريق وبالسلطة، فيجب حينها الركون إلى الفريق، ويجب على الأتباع أن يبقوا متكاتفين على الدوام، ففي تكاتفهم ضمانة كافية ضد القيادة السيئة، وفي الجانب الآخر يستطيع القائد أن يجنب نفسه مغبة هذا المزلق الخطير، مزلق القيادة السيئة، بعدة أمور منها أن لا يطيل المدة الزمنية لقيادته، فمع تقادم الوقت تتسلل العادات السيئة إلى القائد، ومنها كذلك التفويض ومشاركة السلطة، فالتفرد بالقرار والسلطة مفسدة أيما مفسدة، ومنها إحاطة نفسه ببطانة صالحة تعينه على أداء مهمته، وأخيراً محاسبة نفسه وانتقادها وعدم الركون إليها أبداً.

وختاماً،

أدعو نفسي وإياكم إلى أن نمارس دورنا الحقيقي كأتباع ونحفظ قادتنا من القيادة السيئة.

اجمالى التعليقات على ” القيادة السيئة 16

  1. بوعذبي رد

    مبدع يا دكتور كالعاده .. يا كثر مثل هالقياده بالعمل عندنا بالشركة .. الله المستعان

  2. د.غاده رد

    عجبتنى فكره المقالة ﻻنه بمعرفه القياده ااسيئه تتضح لنا القياده الجيده فكما يقال وبضدها تتميز اﻻشياء

  3. ياسر جبر رد

    دكتور بدر
    مقالاتك رائعة كما عهدناها.
    و أنت دائما تثير حماسنا للتطوير والتغيير.
    أشاطرك الرأي في أن السبب الأساسي في اتباع القيادة السيئة و عدم القدرة على إحداث التغيير الإيجابي هو عنصر الأمان بمعنى الاستقرار الوظيفي “المالي” خاصة لمن ليس لديه وظيفة بديلة أو دخل يحقق استقراره وهذا يكثر في القطاع الخاص و يكاد يكون أمر متمكن في أكثر مجالات العمل لكنني أظن أن هذا الوباء أقل انتشارا أو ربما يكاد ينعدم – وليس بالضرورة- لدى المؤسسات الموسومة بالتكافؤ الوظيفي للفرص
    Equal Opportunity Emplyers
    وفي المؤسسات التي تضمن حق الموظف وعدم التعسف تجاهه و الموسومة بوجود إجراءات التشغيل القياسية
    Standard Operating Procedures
    شريطة أن تكون هذه الإجراءات حافظة للحقوق، ضامنة لسلامة مناخ العمل ومحقة لعنصر الأمان المفقودة غالبا و المانعة من الوقوف في وجه القيادة السيئة “موضوع المقال”
    وربما ازدادت فرص عدم القدرة على إحداث التغيير الإيجابي في العمل – وليس بالضرورة- في المؤسسات الفردية، إن لم يوجد لديها التكافؤ الوظيفي في الفرص و إجراءات التشغيل القياسية.

  4. Zid رد

    I truly loved the angle you were tackling in this article Dr. Bader! I am proud to have you as our leader, but i have one point i want to highlight, it’s about the followers or employees الأتباع to do the right thing to get rid of the bad leadership!!! I believe that in our mentality and society it will be very hard and almost impossible to find a group of people who are willing to stand up to what is wrong, and the reason is being scared of the unknown, in this case the unknown is either beinf fired from work or put on the sidelines as a spectator in other cases with no ability to have any influence whatsoever, and in our case as employees losing our job and the stability we have is the biggest fear that will definitely overcome the urge to stand up to what is right. Personally i am against this way of thinking but i can rarely or never find someone who would share the same way of thinking at least in our arabic and middle eastern society.
    All in all, the article was something different and a must to focus on , in parallel to good leadership.
    Thank you for sharing this with us.
    Ziad

    1. د. بدر الزيد الطريجي رد

      Dear Ziad,
      This is exactly why the bad leadership emerges in the first place and why it prevails later on. Unless the followers find it in themselves to do the right thing within the context of reality, they run the risk of having the right foundation for a bad leadership.
      Good candidate will always have an opportunity somewhere else, and as once said; you may not be able to choose your wife, but you should be able to choose your leader!
      Thanks a lot for your contribution!
      Regards,
      Bader

  5. احمد سعيد رد

    شكرا د.بدر

    مقاله مهمه بالفعل لمن اراد النجاح والتغيير للافضل،ايضا حتي يتم الحكم علي طريقه القياده بشكل علمي مدروس ومطبق سلفا،بالفعل القياده الغير فاعله اثرها السلبي كبير جدا علي محيط العمل،علي الفريق بصوره جل،المعضله في عدم اكتشافها بنفس سهوله اكتشاف القياده الغير اخلاقيه،ذلك علي الرغم من تاثيرها المتعاظم كما اسلفت..
    شكرا جزيلا

  6. احمد الحاج رد

    متل ما ذكرت د.بدر اذا كان في بذرة قيادة سيئة فالاتباع مجرد بيئة مناسبة لتطويرها

    بس بظن القيادة السيئة وجود قائد ويسيير للسيئ في اتخاذ القرارا،،
    هل هو محمول على ذلك ام مضطر،، او احد اعراض متنقلة من صاحب المقود،،

  7. عبدالكريم قرملي - السعودية ، الرياض رد

    قرأت المقال بتمعن
    – احييك دكتور ، الفكرة رائعة و اعجبني تطبيق أصول مهنة الطب لديك على الادارة
    – استكمالا لهذا المنهج آمل إسقاط مبدأ “الوقاية” بالإدارة
    والحديث هن ذالك لتجنب حدوث المعضلات المؤدية للفشل
    تحياتي وأتمنى التواصل والاستفادة من خبراتك الإدارية

    1. د. بدر الزيد الطريجي رد

      حياك الله أستاذ عبدالكريم،
      وضع الاستراتيجية الصحيحة الواقعية موقع التنفيذ الجيد هو أول خطوات الوقاية من ودجهة نظري.
      شكراً لتواصلك!

  8. مشاري الرميضي رد

    بارك الله فيك يادكتور مقاله جداً طيبه تجعل الشخص يراجع نفسه ويصلح من خصلات القياده السيئه ان وجدت فيه او انه يتجنبها بالمستقبل ففعلا معرفة القياده السيئه تجعل القياده الناجحه واضحه واسهل ،
    أسأل الله لك التوفيق والسداد .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *